الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

129

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والكلام على هذا ردّ على قولهم : آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ - وقولهم - وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ على طريقة اللفّ والنشر المعكوس ، فقوله : أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إبطال لقولهم : وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ أي قلتم ذلك حسدا من أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم وقوله : أَوْ يُحاجُّوكُمْ ردّ لقولهم : آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ على طريقة التهكم ، أي مرادكم التنصّل من أن يحاجوكم أي الذين آمنوا عند اللّه يوم القيامة ، فجمعتم بين الإيمان بما آمن به المسلمون ، حتى إذا كان لهم الفوز يوم القيامة لا يحاجونكم عند اللّه بأنكم كافرون ، وإذا كان الفوز لكم كنتم قد أخذتم بالحزم إذ لم تبطلوا دين اليهودية ، وعلى هذا فواو الجماعة في قوله : أَوْ يُحاجُّوكُمْ عائد إلى الذين آمنوا . وهذا الاحتمال أنسب نظما بقوله تعالى : قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ ، ليكون لكلّ كلام حكي عنهم تلقين جواب عنه : فجواب قولهم : آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا الآية ، قوله : قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ . وجواب قولهم : وَلا تُؤْمِنُوا إلخ قوله : قل إنّ الفضل بيد اللّه إلخ . فهذا ملاك الوجوه ، ولا نطيل باستيعابها إذ ليس من غرضنا في هذا التفسير . وكلمة أَحَدٌ اسم نكرة غلب استعمالها في سياق النفي ومعناها شخص أو إنسان وهو معدود من الأسماء التي لا تقع إلّا في حيّز النفي فيفيد العموم مثل عريب وديّار ونحوهما وندر وقوعه في حيّز الإيجاب ، وهمزته مبدلة من الواو وأصله وحد بمعنى واحد ويرد وصفا بمعنى واحد . وقرأ الجمهور أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ بهمزة واحدة هي جزء من حرف ( أن ) . وقرأه ابن كثير بهمزتين مفتوحتين أولاهما همزة استفهام والثانية جزء من حرف ( أن ) وسهل الهمزة الثانية . قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 74 ) . زيادة تذكير لهم وإبطال لإحالتهم أن يكون محمد صلى اللّه عليه وسلم رسولا من اللّه ، وتذكير لهم على طرح الحسد على نعم اللّه تعالى أي كما أعطى اللّه الرسالة موسى كذلك أعطاها محمدا ، وهذا كقوله تعالى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [ النساء : 54 ] . وتأكيد الكلام ب ( إنّ ) لتنزيلهم منزلة من ينكر أنّ الفضل بيد اللّه ومن يحسب أنّ